ابن الأثير
112
أسد الغابة ( دار الفكر )
عن أمه رقيقة - قال : وكانت لدة [ ( 1 ) ] عبد المطلب بن هاشم - قالت : تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع ، وأدقّت العظم ، فبينا أنا راقدة - اللَّهمّ أو مهوّمة - إذ أنا بهاتف يصرخ بصوت صحل [ ( 2 ) ] ، يقول : يا معشر قريش ، إن هذا النبي مبعوث ، قد أظلتكم أيامه ، وهذا إبّان نجومه ، فحيّ هلا بالحيا والخصب ، ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا ، عظاما جساما ، أبيض بضّا ، أوطف الأهداب ، سهل الخدين ، أشمّ العرنين ، له فخر يكظم عليه ، وسنّة تهدى إليه ، فليخلص هو وولده ، وليهبط إليه من كل بطن رجل فليشنّوا من الماء ، وليمسّوا من الطيب ، وليستلموا الركن ، ثم ليرقوا أبا قبيس ، ثم ليدع الرجل ، وليؤمن القوم فغثتم ما شئتم . فأصبحت - علم اللَّه - مذعورة ، اقشعرّ جلدي ، ودله عقلي [ ( 3 ) ] ، واقتصصت رؤياي ، ونمت في شعاب مكة ، فو الحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلا قال : هذا شيبة الحمد . وتناهت إليه رجالات قريش ، وهبط إليه من كل بطن رجل ، فشنّوا ومسّوا واستلموا ، ثم ارتقوا أبا قيس ، واصطفوا حوله ما يبلغ سعيهم مهلة ، حتى إذا استووا بذروة الجبل ، قام عبد المطلب ومعه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم غلام قد أيفع ، أو كرب ، فرفع يديه فقال : اللَّهمّ سادّ الخلّة ، وكاشف الكربة ، أنت معلّم غير معلّم ، ومسؤول غير مبخّل ، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك ، يشكون إليك سنتهم التي أذهبت الخف والظلف ، اللَّهمّ فأمطر علينا مغدقا مرتعا . فو ربّ الكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء بما فيها ، واكتظ الوادي بثجيجه ، فسمعت شيخان قريش وجلّتها : عبد اللَّه بن جدعان ، وحرب بن أمية ، وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب : هنيئا لك أبا البطحاء ، أي : عاش بك أهل البطحاء . وفي ذلك تقول رقيقة : بشيبة الحمد أسقى اللَّه بلدتنا * وقد فقدنا الحيا واجلوّذ المطر فجاد بالماء جوني له سبل * سحّا ، فعاشت به الأنعام والشّجر منّا من اللَّه بالميمون طائره * وخير من بشرّت يوما به مضر مبارك الأمر يستسقى الغمام به * ما في الأنام له عدل ولا خطر أخرجه أبو نعيم وأبو موسى ، وقال أبو موسى : هذا حديث حسن عال ، في هذا الحديث غريب نشرحه مختصرا .
--> [ ( 1 ) ] سيأتي في نهاية الترجمة شرح ابن الأثير لغريب هذا الحديث ، وسنشرح ما أغفله . [ ( 2 ) ] أي : فيه بحة . [ ( 3 ) ] أي : نحير .